ابن كثير
520
السيرة النبوية
وقد ذكر ابن إسحاق أن أبا العاص أقام بمكة على كفره واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة ، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش ، فلما قفل من الشام لقيته سرية فأخذوا ما معه وأعجزهم هربا ، وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فأجارته . فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح وكبر وكبر الناس صرخت من صفة النساء : أيها الناس أجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال : " أيها الناس هل سمعتم الذي سمعت ؟ " قالوا : نعم . قال : " أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشئ حتى سمعت ما سمعتم ، وإنه يجير على المسلمين أدناهم " . ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على ابنته زينب فقال : " أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له " قال : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثهم على رد ما كان معه ، فردوه بأسره لا يفقد منه شيئا . فأخذه أبو العاص فرجع به إلى مكة ، فأعطى كل إنسان ما كان له ثم قال : يا معشر قريش ، هل بقي لاحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟ قالوا : لا فجزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما . قال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، والله ما منعني عن الاسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أنى إنما أردت أن آكل أموالكم ، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت . ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن إسحاق : فحدثني داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الأول ولم يحدث شيئا .